على الرغم من تزايد التحديات في البيئة الخارجية، واصل الاقتصاد الأمريكي إظهار قدر كبير من المرونة خلال العام الجاري. فقد أثرت حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن السياسات الاقتصادية، وتصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وما نتج عن ذلك من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، سلباً على ثقة الشركات والمستهلكين، وأججت المخاوف من تجدد الضغوط التضخمية وتباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي. وفي ظل هذه المعطيات، أصبح صمود سوق العمل الأمريكية عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كان الاقتصاد قادراً على مواصلة تحمل هذه الرياح المعاكسة وتجنب تباطؤ أكثر حدة.
تشير البيانات الأخيرة لسوق العمل إلى وجود أسباب تدعو إلى التفاؤل الحذر. فرغم تباطؤ وتيرة خلق الوظائف واعتدال التوظيف، فإن مجموعة واسعة من المؤشرات تدل على أن الأوضاع في سوق العمل لا تزال تستند إلى أسس سليمة. وتجدر الإشارة إلى أن معدل البطالة لم يتغير كثيراً عن المتوسط المسجل في العام الماضي، ما يشير إلى أن تباطؤ التوظيف لم يتسبب في تدهور ملموس في الأوضاع العامة لسوق العمل. وفي هذا المقال، نستعرض ثلاثة عوامل رئيسية لا تزال تدعم مرونة سوق العمل والاقتصاد في الولايات المتحدة بوجه عام.
أولاً، تراجعت وتيرة الطلب على العمالة لكنها لا تزال متسقة مع سوق عمل سليمة. فقد تباطأت وتيرة خلق الوظائف خلال العام الماضي، في حين أصبحت الشركات أكثر حذراً في زيادة قواها العاملة في ظل ارتفاع حالة عدم اليقين وضعف الثقة في بيئة الأعمال. وفي الوقت نفسه، استمر انخفاض فرص العمل المتاحة، مما أدى إلى تراجع نسبة الوظائف الشاغرة إلى عدد العاطلين عن العمل – أي عدد الوظائف المتاحة لكل عامل عاطل عن العمل – من ذروة بلغت نحو 2.0 في أوائل عام 2022 إلى ما يقرب من 1.0 في أحدث إصدار، وهو مستوى يتماشى بشكل عام مع متوسط هذه النسبة قبل الجائحة. ويراقب مجلس الاحتياطي الفيدرالي هذه النسبة عن كثب باعتبارها مقياساً لمدى ضيق أوضاع سوق العمل. وتشير النسبة التي تزيد كثيراً عن الواحد الصحيح إلى وجود عدد أكبر بكثير من الوظائف الشاغرة مقارنة بالعاطلين عن العمل، وهو ما يؤدي غالباً إلى ضغوط أقوى على الأجور، في حين تشير النسبة الأقرب إلى الواحد الصحيح إلى سوق عمل أكثر توازناً. والأهم من ذلك أن طلبات إعانة البطالة الأولية ومعدلات تسريح العمال لا تزال منخفضة مقارنة بمستوياتها التاريخية، مما يشير إلى أن الشركات تواصل الاحتفاظ بالعاملين لديها. وبشكل مشترك، فإن هذه المؤشرات تشير إلى عودة منظمة للطلب على العمالة إلى مستوياته الطبيعية، لا إلى التدهور واسع النطاق الذي يسبق عادةً حالة الركود.
ثانياً، واصل نمو الأجور دعم القوة الشرائية للأسر. فعلى الرغم من أن النمو الاسمي للأجور قد اعتدل مقارنة بالمعدلات المرتفعة التي سُجلت في السنوات الأخيرة، فإن دخل العاملين ظل يتجاوز التضخم خلال العام الماضي، رغم التصاعد المؤقت في ضغوط الأسعار عقب صدمة الطاقة. وبعبارة أخرى، تجاوزت زيادات الأجور، في المتوسط، الزيادات في تكلفة المعيشة، مما أتاح للأجور الحقيقية – أي الأجور بعد احتساب تأثير التضخم – مواصلة الارتفاع خلال العام الماضي. ونتيجة لذلك، حققت الأسر مكاسب مستمرة في قوتها الشرائية، مما ساعد على دعم الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وبناءً على ذلك، تواصل قوة القدرة الشرائية للأسر دعم الطلب المحلي وتعزيز صمود الاقتصاد بوجه عام.
ثالثاً، بدأ الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل سوق العمل، غير أن أثره الكلي لا يزال محدوداً. فالتبني السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي يغير أنماط التوظيف في عدد متزايد من القطاعات، ولا سيما في الوظائف التي تنطوي على مهام معرفية روتينية، مثل الدعم الإداري وخدمة العملاء وتطوير البرمجيات. وفي الوقت نفسه، استمر الطلب على العاملين ذوي المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والمهارات التقنية المتقدمة في الارتفاع. ومع ذلك، ورغم المخاوف الواسعة بشأن إحلال الوظائف، لا تزال هناك أدلة محدودة على أن الذكاء الاصطناعي قد أضعف أوضاع سوق العمل بصورة ملموسة. فلا تزال معدلات التوظيف تتزايد، وتظل البطالة قريبة من مستويات تتسق مع التوظيف الكامل، كما لا تزال معدلات تسريح العمال منخفضة بالمقارنة مع المستويات التاريخية. وبدلاً من ذلك، تشير الأدلة الحالية إلى أن الذكاء الاصطناعي يغير في المقام الأول تركيبة الوظائف والمهارات التي يطلبها أصحاب العمل، ولا يؤدي إلى تقليص مستوى التوظيف الإجمالي.
وبوجه عام، ينبغي تفسير الاعتدال الأخير في سوق العمل الأمريكية باعتباره عودة إلى المستويات الطبيعية، لا مؤشراً على ضعف واسع النطاق. فقد أصبح الطلب على العمالة أكثر توازناً، ولا يزال نمو الأجور يدعم القوة الشرائية للأسر رغم الضغوط التضخمية الأخيرة، كما أن هناك أدلة محدودة على أن تبني الذكاء الاصطناعي قد أضعف إجمالي التوظيف بصورة ملموسة. ونتيجة لذلك، تظل سوق العمل في وضع جيد يتيح لها دعم الإنفاق الاستهلاكي، مما يعزز صمود الاقتصاد الأمريكي.
يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English